الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

55

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وفعل الظن إذا عدّي بالباء أشعر غالبا بظن صادق قال تعالى : وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [ الأحزاب : 10 ] وقال : وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ [ فصلت : 23 ] . ومنه إطلاق الظنين على المتهم فإن أصله : ظنين به ، فحذفت الباء ووصل الوصف ، وذلك أنه إذا عدي بالباء فالأكثر حذف مفعوله وكانت الباء للإلصاق المجازي ، أي ظن ظنا ملصقا باللّه ، أي مدّعى تعلقه باللّه وإنما يناسب ذلك ما ليس لائقا باللّه . وتقدمت الإشارة إليه عند قوله تعالى : وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا في سورة الأحزاب [ 10 ] . والمعنى : فما ظنكم السيّئ باللّه ، ولما كان الظن من أفعال القلب فتعديته إلى اسم الذات دون اتباع الاسم بوصف متعينة لتقدير وصف مناسب . وقد حذف المتعلق هنا لقصد التوسع في تقدير المحذوف بكل احتمال مناسب تكثيرا للمعاني فيجوز أن تعتبر من ذات ربّ العالمين أوصافه . ويجوز أن يعتبر منها الكنه والحقيقة ، فاعتبار الوصف على وجهين : أحدهما : المعنى المشتق منه الرب وهو الربوبية وهي تبليغ الشيء إلى كماله تدريجا ورفقا فإن المخلوق محتاج إلى البقاء والإمداد وذلك يوجب أن يشكر الممدّ فلا يصد عن عبادة ربه ، فيكون التقدير : فما ظنكم أن له شركاء وهو المنفرد باستحقاق الشكر المتمثل في العبادة لأنه الذي أمدكم بإنعامه . وثانيهما : أن يعتبر فيه معنى المالكية وهي أحد معنيي الربّ وهو مستلزم لمعنى القهر والقدرة على المملوك ، فيكون التقدير : فما ظنكم ما ذا يفعل بكم من عقاب على كفرانه وهو مالككم ومالك العالمين . وأما جواز اعتبار حقيقة رب العالمين وكنهه . فالتقدير فيه : فما ظنكم بكنه الربوبية فإنكم جاهلون الصفات التي تقتضيها وفي مقدمتها الوحدانية . [ 88 - 96 ] [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 88 إلى 96 ] فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ( 88 ) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ ( 89 ) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ( 90 ) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَ لا تَأْكُلُونَ ( 91 ) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ ( 92 ) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ ( 93 ) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ( 94 ) قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ( 95 ) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ( 96 ) مفرع على جملة إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ [ الصافات : 85 ] تفريع قصص بعطف بعضها على بعض . والمقصود من هذه الجمل المتعاطفة بالفاءات هو الإفضاء إلى قوله فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ وأما ما قبلها فتمهيد لها وبيان كيفية تمكنه من أصنامهم وكسرها ليظهر لعبدتها